ابن عطاء الله السكندري
39
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
بيان للمعتبرين وهداية للمستبصرين وهو أن من خرج من تدبيره لنفسه كان اللّه هو المتولى بحسن التدبير له . والتدبير على قسمين : تدبير محمود وتدبير مذموم فالتدبير المذموم هو كل تدبير يتعطف على نفسك بوجود حظها ليس للّه فيه شيء كالتدبير في تحصيل معصية أو في حظ بوجود غفلة أو طاعة بوجود رياء وسمعة ونحو هذا فهذا كله مذموم لأنه إما موجب عقابا وإما موجب حجابا ومن عرف نعمة العقل استحيا من اللّه سبحانه أن يصرف عقله إلى تدبير ما لا يوصله إلى قربه ولا يكون سببا لوجود حبه والعقل أفضل ما من اللّه به على عباده لأنه سبحانه خلق الموجودات وتفضل عليها بالإيجاد دوام الإمداد فاشتركت الموجودات في إيجاده وإمداده فلما اشتركت أراد الحق سبحانه أن يميز الآدمي عنهم فأعطاه العقل وأيده به وفضله بذلك على الحيوان وأكمل به نعمته على الإنسان . وسمعت شيخنا أبا العباس المرسى رضى اللّه عنه يقول العارف لا دنيا له ولا آخرة لأن دنياه لآخرته وآخرته لربه وعلى هذا تحمل أحوال الصحابة والسلف رضى اللّه عنهم أجمعين فكل ما دخلوا فيه من الأسباب فهم بذلك إلى اللّه متقربون ولرضاه منتسبون لا يقصدون بذلك الدنيا وزينتها ووجود لذاتها ولهذا وصفهم الحق سبحانه وتعالى بقوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ( 29 ) [ الفتح : 29 ] ، وما ظنك بقوم يحبهم اللّه واختارهم اللّه لصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ولمواجهة خطابه في تنزيله فما أحد من المؤمنين إلى يوم القيامة إلا وللصحابة في عنقه منن لا تحصى وأياد لا تنسى لأنهم هم الذين حملوا إلينا عن النبي صلى الله عليه وسلم الحكم والأحكام وبينوا الحلال من الحرام وفهموا الخاص والعام وفتحوا